حسن الأمين
76
مستدركات أعيان الشيعة
بغير شك جابر بن الأفلح الذي عاش في إشبيلية خلال القرن الحادي عشر الميلادي وألف في علم الفلك ( 1 ) أما صفة « الكوفي » الذي ينعت بها في روايات كثيرة ( 2 ) فليست تدل على مكان مولده ، ولكنها ترجع إلى مقامه فيها زمنا - وعلى كل حال فليس الأمر مقطوعا فيه برأي - فيقول ابن النديم : « وزعموا ( أي الشيعة » أنه كان من أهل الكوفة . . . وحدثني بعض الثقات ممن تعاطي الصنعة ( أي الكيمياء ) أنه كان ينزل في شارع باب الشام في درب يعرف بدرب الذهب ( وذلك في الكوفة ) وقال لي هذا الرجل أن جابرا كان أكثر مقامه بالكوفة . . . لصحة هوائها « ( 3 ) . وتمضي الرواية فتقول أنه قد حدث بعد وفاة جابر أن هدمت الدور في الحي الذي كان يسكنه ، فكشفت الأنقاض عن الموضع الذي كان فيه منزله ، ووجد معمله ، كما وجد هاون من الذهب يزن مائتي رطل ، وتقول الرواية أن هذا حدث في أيام عز الدولة ابن معز الدولة ، والظاهر أن ما قد دعا جابرا إلى الإقامة في الكوفة زمنا ، هو فراره من خطر كان محدقا به في عهد هارون الرشيد ، والقصة - كما يرويها الجلدكي ( 4 ) - هي أنه : » قد أقضى باسرار صناعته إلى هارون الرشيد وإلى يحيى البرمكي وابنيه : الفضل وجعفر ، حتى لقد كان ذلك سببا في غناهم وثروتهم ، فلما ساورت الرشيد الشكوك في البرامكة ، وعرف أن غرضهم هو نقل الخلافة إلى العلويين ، مستعينين على ذلك بمالهم وجاههم ، قتلهم عن آخرهم ، فاضطر جابر بن حيان أن يهرب إلى الكوفة خوفا على حياته ، حيث ظل مختبئا حتى أيام المأمون ، فظهر بعد احتجابه « . وهاهنا تنهض أمامنا نقطة أخرى من نقط الاختلاف عن حياة جابر ، وهي تاريخ مولده ، فعلاقته بالبرامكة - في عهد هارون الرشيد - يكاد يكون عليها إجماع ، فإذا ذكرنا أن البرامكة قد لبثوا يتمتعون بثقة هارون الرشيد سبعة عشر عاما ، منذ ولايته سنة 786 م حتى سنة 803 - قبل موته بستة أعوام - تبين لنا خطا التاريخ الذي ذكره حاجي خليفة في « كشف الظنون » من أنه قد توفي سنة 160 ه ( أي ما بين سنتي 776 و 777 م ) فلو فرضنا أن ولاية هارون الرشيد قد أدرجت جابرا في صدر رجولته ، كانت ولادته حوالي 750 م أو قبل ذلك ، وأذن فيمكن القول على وجه يقرب من اليقين أنه عاش خلال النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي والجزء الأول من القرن التاسع ، وعن ذلك يقول هولميارد ( 5 ) الذي عنى بدراسته : أن حياته امتدت خلال الشطر الأكبر من القرن الثامن . وكما اختلف الناس في حقيقته التاريخية ، واختلفوا في مولده مكانا وزمانا ، واختلفوا في اسمه ، فكذلك اختلفوا في أمره وإلى أي فئة أو مذهب ينتمي : « فقالت الشيعة أنه من كبارهم . . . وزعم قوم من الفلاسفة أنه كان منهم ، وله في المنطق والفلسفة مصنفات ، وزعم أهل صناعة الذهب والفضة أن الرئاسة انتهت إليه في عصره ، وأن أمره كان مكتوما » ( 6 ) . وحقيقة الأمر - كما سنرى في غضون هذا البحث - أنه كان الثلاثة معا : فهو من الشيعة مذهبا ، وهو من الفلاسفة جدلا ، وهو من الكيمويين علما ، ثم هو فوق هذا وهذا وذلك صوفي ، حتى لقد لصقت صفة الصوفية باسمه كأنما هي جزء منه ، فيدعى حيثما ورد ذكره جابرا بن حيان الصوفي . وإن جابرا ليتصل ذكره بالإمام جعفر الصادق ( 700 - 765 م تقريبا ) الذي كثيرا ما يرد اسمه في كتابات جابر مشارا إليه بقوله : « سيدي » فهنالك من يزعم أنه جعفر بن يحيى البرمكي ، لكن الشيعة تقول - وهو القول الراجح الصدق - إنه إنما عنى به جعفر الصادق ، ونقول أنه مرجح الصدق لأن جابرا شيعي ، فلا غرابة أن يعترف بالسيادة لإمام شيعي ، هذا إلى وفرة المصادر التي لا تتردد في أن جعفرا المشار إليه في حياة جابر ونشأته ، هو جعفر الصادق ، فيذكر حاجي خليفة في كشف الظنون جابرا مصحوبا بعبارة : « تلميذ جعفر الصادق » ( 7 ) ويقول كاراديفو وهو يتحدث عن جابر : « ومعلماه هما : خالد بن يزيد بن معاوية . . . وجعفر الصادق ( 8 ) ، وفي مقدمة كتاب » الحاصل « لجابر ( 9 ) يقول هو نفسه : « . . . وقد سميته كتاب الحاصل ، وذلك أن سيدي جعفر بن محمد ( ص ) قال لي : فما الحاصل الآن بعد هذه الكتب ( الكتب التي ألفها جابر ) وما المنفعة منها ؟ . . . فعملت كتابي هذا وسماه سيدي بكتاب الحاصل . . . » . وواضح أن هذا التوقير كله لا يكون موجها إلى برمكي - إذ كان جابر ذا مكانة ممتازة في بلاط الخليفة هارون الرشيد ، وخالط أسرة البرامكة مخالطة الند للأنداد ( 10 ) - وإنما يوجه مثل هذا التوقير من شيعي إلى إمامه . على أن صلة جابر بجعفر لا بد أن تكون قصيرة الأمد ، لأن وفاة جعفر كانت سنة 765 م ، وهو بعد مولد جابر بما لا يزيد عن عشرين عاما . منزلته في علم الكيمياء : جابر هو كيموي العرب الأول ، فهو أول من اشتهر علم الكيمياء عنه ( 11 ) وهو أول من يستحق لقب « الكيموي » من المسلمين ( 12 ) والظاهر أنه قد أصاب من ارتفاع المكانة وضخامة الثراء وبعد الصيت ، ما جعله موضع التقدير آنا وموضع الحسد والاضطهاد آنا ، وأما التقدير فهو الذي أحاط اسمه بهالة من الجلال أزاغت عن حقيقته أبصار الكاتبين فيما بعد ، حتى لتجد من يصفه منهم تارة بأنه : « ملك العرب » وتارة أخرى بأنه : « ملك العجم » وتارة ثالثة بأنه : « ملك الهند » ( 13 ) وقال عنه رسل الذي ترجم بعض مؤلفاته إلى الإنجليزية ( لندن 1678 ) أنه : « أشهر علماء العرب
--> ( 1 ) دائرة المعارف البريطانية ، مادة Geber . ( 2 ) فهرست ابن النديم ، ص 498 ، وأخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطي ، ص 111 ( طبعة الخانجي 1326 ه ) . ( 3 ) الفهرست ، ص 499 . ( 4 ) نهاية الطلب . ( 5 ) . Holmyard , E . J , Chemistry tO the Time of Dalton ( 6 ) الفهرست ابن النديم ، ص 499 . ( 7 ) كشف الظنون ، ص 343 . ( 8 ) دائرة المعارف الإسلامية ، مادة » جابر بن حيان « . ( 9 ) نشر پول كراوس . ( 10 ) دائرة المعارف البريطانية ، مادة Gaber ( 11 ) حاجي خليفة ، كشف الظنون ص 344 . ( 12 ) Holmyard في كتابه المذكور ، ص 15 . ( 13 ) إسماعيل مظهر ، تاريخ الفكر العربي ( فصل خاص بجابر بن حيان ) .